تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 237 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 237

237 : تفسير الصفحة رقم 237 من القرآن الكريم

** فَلَمّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوَاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} هذا فيه تعظيم لما فعلوه, أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراماً له, وبسطاً وشرحاً لصدره, وإدخالاً للسرور عليه, فيقال إن يعقوب عليه السلام لما بعثه معهم ضمه إليه وقبله ودعا له, وذكر السدي وغيره أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه, ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه, والفعل من ضرب ونحوه, ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه, فربطوه بحبل ودلوه فيه, فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه, وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه, ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة, فسقط في الماء فغمره, فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها الراغوفة, فقام فوقها.
وقوله: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}, يقول تعالى ذاكراً لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييباً لقلبه وتثبيتاً له, إنك لا تحزن مما أنت فيه, فإن لك من ذلك فرجاً ومخرجاً حسناً, وسينصرك الله عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع, وقوله: {وهم لا يشعرون}. قال مجاهد وقتادة: {وهم لا يشعرون} بإيحاء الله إليه. وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك, وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك, كما قال ابن جرير: حدثني الحارث, حدثنا عبد العزيز, حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه, سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون, قال: جيء بالصواع فوضعه على يده, ثم نقره فطن, فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف, يدنيه دونكم, وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب, قال: ثم نقره فطن, قال: فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب, قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس: فلا نرى هذه الاَية نزلت إلا فيهم {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}.

** وَجَآءُوَا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُواْ يَأَبَانَا إِنّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لّنَا وَلَوْ كُنّا صَادِقِينَ * وَجَآءُوا عَلَىَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىَ مَا تَصِفُونَ
يقول تعالى مخبراً عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب, ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم, وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا {إنا ذهبنا نستبق} أي نترامى, {وتركنا يوسف عند متاعن} أي ثيابنا وأمتعتنا, {فأكله الذئب}, وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه. وقوله: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه, يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين, فكيف وأنت تتهمنا في ذلك, لأنك خشيت أن يأكله الذئب, فأكله الذئب, فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع, وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا {وجاءوا على قميصه بدم كذب} أي مكذوب مفترى, وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيده, وهو أنهم عمدوا إلى سخلة فيما ذكره مجاهد والسدي وغير واحد, فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها, موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب, وقد أصابه من دمه, ولكنهم نسوا أن يخرقوه, فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب, بل قال لهم معرضاً عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه {بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} أي فسأصبر صبراً جميلاً على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه {والله المستعان على ما تصفون} أي على ما تذكرون من الكذب والمحال.
وقال الثوري عن سماك, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {وجاءوا على قميصه بدم كذب} قال: لو أكله السبع لخرق القميص, وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه. وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى, عن حبان بن أبي جبلة, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فصبر جميل} فقال: صبر لا شكوى فيه, وهذا مرسل. وقال عبد الرزاق: قال الثوري, عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك, ولا بمصيبتك, ولا تزكي نفسك وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}.

** وَجَاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىَ دَلْوَهُ قَالَ يَبُشْرَىَ هَـَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ
يقول تعالى مخبراً عما جرى ليوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيداً فريداً, فمكث في البئر ثلاثة أيام فيما قاله أبو بكر بن عياش, وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك, ينظرون ماذا يصنع وما يصنع به, فساق الله له سيارة, فنزلوا قريباً من تلك البئر, وأرسلوا واردهم وهو الذي يتطلب لهم الماء, فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلوه فيها, تشبث يوسف عليه السلام فيها فأخرجه واستبشر به, وقال: {يا بشرى هذا غلام}. وقرأ بعض القراء يا بشراي, فزعم السدي أنه اسم رجل, ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه معلماً له أنه أصاب غلاماً, وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس, والله أعلم, وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى, ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه وحذف ياء الإضافة, وهو يريدها كما تقول العرب: يا نفس اصبري ويا غلام أقبل, بحذف حرف الإضافة, ويجوز الكسر حينئذ والرفع, وهذا منه, وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي, والله أعلم.
وقوله: {وأسروه بضاعة} أي وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره, قاله مجاهد والسدي وابن جرير: هذا قول, وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {وأسروه بضاعة} يعني إخوة يوسف أسروا شأنه, وكتموا أن يكون أخاهم, وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته, واختار البيع فذكره إخوته لوارد القوم, فنادى أصحابه {يا بشرى هذا غلام} يباع فباعه إخوته.
وقوله: {والله عليم بما يعملون} أي عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه, وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه, ولكن له حكمة وقدر سابق, فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} وفي هذا تعريض لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك, وأنا قادر على الإنكار عليهم, ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم, كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته.
وقوله: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. قاله مجاهد وعكرمة والبخس: هو النقص, كما قال تعالى: {فلا يخاف بخساً ولا رهق} أي اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل, ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة فيه, بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله: {وشروه} عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. والأول أقوى, لأن قوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة, لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة, ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه, فترجح من هذا أن الضمير في {شروه} إنما هو لإخوته. وقيل: المراد بقوله {بخس} الحرام. وقيل: الظلم, هذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا, لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم, وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما, أي إنهم إخوته وقد باعوه, ومع هذا بأنقص الأثمان, ولهذا قال {دراهم معدودة}, فعن ابن مسعود رضي الله عنه: باعوه بعشرين درهماً, وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي, وزاد اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهماً. وقال الضحاك في قوله {وكانوا فيه من الزاهدين} وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل, وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق, حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر ؟ فاشتراه الملك وكان مسلماً.

** وَقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىَ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكّنّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلَمّا بَلَغَ أَشُدّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه, وأوصى أهله به, وتوسم فيه الخير والصلاح, فقال لامرأته {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولد} وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير. حدثنا العوفي عن ابن عباس وكان اسمه قطفير, وقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز, وكان على خزائن مصر, وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق, قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل, وقال غيره: اسمها زليخا, وقال محمد بن إسحاق أيضاً, عن محمد بن السائب, عن أبي صالح, عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم, فالله أعلم. وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: {أكرمي مثواه}, والمرأة التي قالت لأبيها {يا أبت استأجره} الاَية, وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. يقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته {كذلك مكنا ليوسف في الأرض} يعني بلاد مصر {ولنعلمه من تأويل الأحاديث}.
قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا {والله غالب على أمره} أي إذا أراد شيئاً فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف, بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: {والله غالب على أمره}: أي فعال لما يشاء. وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يقول: لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد, وقوله: {ولما بلغ} أي يوسف عليه السلام {أشده} أي استكمل عقله وتم خلقه {آتيناه حكماً وعلم} يعني النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام {وكذلك نجزي المحسنين} أي إنه كان محسناً في عمله عاملاً بطاعة الله تعالى, وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده, فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون, وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشد الحلم, وقيل غير ذلك, والله أعلم.